ابن عربي

316

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

طويلة . فاحذر هذه الدنيا الصارعة الخاذلة القاتلة التي قد تزينت بخدعها ، وقتلت بغرورها ، وخدعت بآمالها فأصبحت كالعروس المجليّة ، فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب إليها والهة ، والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي يعتبر ، ولا الآخر لما رأى من أثرها بالأول يزدجر ، ولا العارف باللّه المصدق له حين أخبره عنها مذكر . قد أبت القلوب لها إلا حبا ، وأبت النفوس لها إلا عشقا . ومن عشق شيئا لم يعرف غيره ، ولم يعقل سواه ، ومات في طلبه ، وكان آثر الأشياء عنده ، فهما عاشقان طالبان مجتهدان . فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغترّ وطغى ونسي ولهى ، فغفل عن مبتدأ خلقه ، ووضع ما إليه معاده ، وقلّ في الدنيا لبثه ، حتى زلّت عنه قدمه ، وجاءته منيته على شرّ ما كان عليها حالا ، وأطول ما كان فيها أملا ، فعظم ندمه ، وكثرت حسرته مع ما عالج من سكرته ، فاجتمعت عليه سكرة الموت بكربته ، وحسرة الفوت بغصّته ، فغير موصوف ما نزل به ، وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته ، فمات بغمّه وكمده ، ولم يدرك فيها ما طلب ، ولم يرح نفسه من التعب والنصب ، فخرجوا جميعا بلا زاد ، وقدما على غير مهاد . فالحذر يا أمير المؤمنين ، الحذر كله منها ، فإنما مثلها مثل الحيّة ، ليّن مسّها وتقتل بسمّها ، فاعرض عما يعجبك فيها القلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما قد أيقنت به من فراقها ، واجعل شدة ما اشتدّ منها رجاء ما ترجو بعدها ، وكن عند أسرّ ما تكون فيها . احذر ما يكون منها ، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور صبّحته من سرورها بما يسوؤه ، وكلما ظفر منها بما يحبّ انقلبت عليه بما يكره . فالسارّ منها لأهلها غارّ ، والنافع منها غدا ضارّ ، وقد وصل الرجاء فيها بالبلاء ، وجعل البقاء فيها إلى الفناء ، فسرورها بالحزن مشوب ، والناعم فيها مسلوب . فانظر يا أمير المؤمنين إليها انظر الزاهد المفارق ، ولا تنظر إليها نظر المبتلي العاشق . واعلم يا أمير المؤمنين نزيل البلوى الساكن ، وتفجّع المترف الآمن . ولا يرجع فيها إلى ما ولّى منها ، ولا يتبع ما صفا منها إلا ما كدر . فاحذرها ، فإن أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وعيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأنت منها على خطر ، إما نعمة زائلة ، أو بليّة نازلة ، أو مصيبة فادحة ، أو منية قاضية . فلقد كدرت المعيشة لمن عقل ، فهو من نعيمها على خطر ، ومن بليته على حذر ، ومن المنية على يقين . فلو كان الخالق تبارك اسمه لم يخبر عنها بخبر ، ولم يضرب لها مثل ، ولم يأمر فيها بزهد ، لكانت الدنيا أيقظت النائم ، ونبّهت الغافل ، وكيف وقد جاء عن اللّه عز وجل منها زاجر ، وفيها واعظ ، فما لها عنده قدر ، ولا وزن من الصغر ، وهي عنده أصغر من حصاة في الحصى ، ومن مقدار نواة في النوى . ما خلق اللّه عز وجل فيما بلغنا